القرطبي
56
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته ، وهو مقتضى الحديث وظاهره ، لقوله : ( فحبسه ) ولم يقل إن السهم قتله ، وأيضا فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النادر منه ، وإنما يكون ذلك في الصيد . وقد صرح الحديث بأن السهم حبسه وبعد أن صار محبوسا صار مقدورا عليه ، فلا يؤكل إلا بالذبح والنحر . والله أعلم . وأما حديث أبي العشراء فقد قال فيه الترمذي : " حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث . واختلفوا في اسم أبي العشراء ، فقال بعضهم : اسمه أسامة ابن قهطم ، ويقال : اسمه يسار بن برز - ويقال : بلز - ويقال : اسمه عطارد نسب إلى جده " . فهذا سند مجهول لا حجة فيه ، ولو سلمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حجة ، إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور وغيره ، ولا قائل به في المقدور ، فظاهره ليس بمراد قطعا . وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه ، فلا يكون فيه حجة ، والله أعلم . قال أبو عمر : وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم ( 1 ) يند الانسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه ، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا . وهذا لا حجة فيه ، لان إجماعهم إنما أنعقد على مقدور عليه ، وهذا غير مقدور عليه . السادسة عشرة - ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام : ( إن الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) رواه مسلم عن شداد بن أوس قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب ) فذكره . قال علماؤنا : إحسان الذبح في البهائم الرفق بها ، فلا يصرعها بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر ، وإحداد الآلة ، وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى القبلة ، والاجهاز ( 2 ) ، وقطع الودجين والحلقوم ، وإراحتها وتركها إلى أن تبرد ، والاعتراف لله بالمنة ، والشكر له بالنعمة ، بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا ، وأباح لنا ما لو شاء
--> ( 1 ) كذا في الأصول . لعل أصل العبارة : لوند . الخ . ( 2 ) أجهزت على الجريح : إذا أسرعت قتله وقد تممت عليه .