القرطبي

52

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أن الجنين إذا خرج حيا أن ذكاة أمه ليست بذكاة له ، واختلفوا إذا ذكيت الام وفي بطنها جنين ، فقال مالك وجميع أصحابه : ذكاته ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره ، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج به رمق من الحياة ، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك ، فإن سبقهم بنفسه أكل . وقال ابن القاسم : ضحيت بنعجة فلما ذبحتها جعل يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى يموت في بطنها ، ثم أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج منه فذبحته فسال منه دم ، فأمرت أهلي أن يشووه . وقال عبد الله بن كعب بن مالك . كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه . قال ابن المنذر : وممن قال ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد ابن المسيب والشافعي وأحمد وإسحق . قال القاضي أبو الوليد الباجي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر " إلا أنه حديث ضعيف ، فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال الذي عليه عامة فقهاء الأمصار . وبالله التوفيق . التاسعة - قوله تعالى : " ذكيتم " الذكاة في اللغة أصلها التمام ، ومنه تمام السن . والفرس المذكى الذي يأتي بعد تمام القروح ( 1 ) بسنة ، وذلك تمام استكمال القوة . ويقال : ذكى يذكي ، والعرب تقول : جري ( 2 ) المذكيات غلاب . والذكاء حدة القلب ، وقال الشاعر : ( 3 ) يفضله إذا اجتهدوا عليه * تمام السن منه والذكاء والذكاء سرعة الفطنة ، والفعل منه ذكي يذكى ذكا ، والذكوة ما تذكو به النار ، وأذكيت الحرب والنار أوقدتهما . وذكاء اسم الشمس ، وذلك أنها تذكو كالنار ، والصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها . فمعنى " ذكيتم " أدركتم ذكاته على التمام . ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب ، يقال : رائحة ذكية ، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طيب ، لأنه يتسارع إليه التجفيف ، وفي حديث محمد بن علي رضي الله عنهما " ذكاة الأرض يبسها " يريد

--> ( 1 ) قرح الفرس قروحا : إذا انتهت أسنانه ، وإنما تنتهي في خمس سنين . ( 2 ) المعنى : جرى للسان القرح من الخيل أن تغالب الجري غلابا . ( 3 ) هو زهير .