القرطبي

435

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ( 54 ) قوله تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ) السلام والسلامة بمعنى واحد . ومعنى " سلام عليكم " سلمكم الله في دينكم وأنفسكم ، نزلت في الذين نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام عن طردهم ، فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال : ( الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام ) فعلى هذا كان السلام من جهة النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنه كان من جهة الله تعالى ، أي أبلغهم منا السلام ، وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى . وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ونفر فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها ، قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ ! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ) فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا : لا ، يغفر الله لك يا أخي ، فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في [ معنى ] ( 1 ) الآية . ويستفاد من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم ، فإن في ذلك غضب الله ، أي حلول عقابه بمن آذى أحدا من أوليائه . وقال ابن عباس : نزلت الآية في أبى بكر وعمر وعثمان وعلي [ رضي الله عنهم ] ( 2 ) . وقال الفضيل بن عياض : جاء قوم من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم ، فنزلت الآية . وروي عن أنس بن مالك مثله سواء . قوله تعالى : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) أي أوجب ذلك بخبره الصدق ، ووعده الحق ، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه . وقيل : كتب ذلك في اللوح المحفوظ . ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) أي خطيئة من غير قصد ،

--> ( 1 ) من ج ، وع ، ك ، وه وى . ( 2 ) من ك وى .