القرطبي

426

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) يقال : لم ذموا على النسيان وليس من فعلهم ؟ فالجواب : أن ( نسوا ) بمعنى تركوا ما ذكروا به ، عن ابن عباس وابن جريج ، وهو قول أبي علي ، وذلك لان التارك للشئ إعراضا عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي ، كما يقال : تركه . في النسي . جواب آخر : وهو أنهم تعرضوا للنسيان فجاز الذم لذلك ، كما جاز الذم على التعرض لسخط الله عز وجل وعقابه . ومعنى ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) أي من النعم والخيرات ، أي كثرنا لهم ذلك . والتقدير عند أهل العربية : فتحنا عليهم أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم . ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا أن ذلك العطاء لا يبيد ، وأنه دال على رضاء الله عز وجل عنهم ( أخذناهم بغتة ) أي استأصلناهم وسطونا بهم . و ( بغتة ) معناه فجأة ، وهي الاخذ على غرة ومن غير تقدم أمارة ، فإذا أخذ لانسان وهو غار غافل فقد أخذ بغتة ، وأنكى شئ ما يفجأ من البغت . وقد قيل : إن التذكير الذي سلف - فأعرضوا عنه - قام مقام الامارة . والله أعلم . و ( بغتة ) مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه عند سيبويه كما تقدم ، فكان ذلك استدراجا من الله تعالى كما قال : " وأملي لهم إن كيدي متين " ( 1 ) [ الأعراف : 183 ] نعوذ بالله من سخطه ومكره . قال بعض العلماء : رحم الله عبدا تدبر هذه الآية " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة " . وقال محمد بن النضر الحارثي : أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة . وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم ) ثم تلا " فلما نسوا ما ذكروا به " الآية كلها . وقال الحسن : والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه . وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها ( 2 ) إلا كان قد نقص عمله ، وعجز رأيه . وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغني مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته ) . قوله تعالى : ( فإذا هم مبلسون ) المبلس الباهت الحزين الآيس من الخير الذي لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال ، قال العجاج :

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 329 . ( 2 ) في ج : في ذلك .