القرطبي

416

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" تلك الدار الآخرة " ( 1 ) [ القصص : 83 ] " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان " ( 1 ) [ العنكبوت : 64 ] . فأتت الآخرة صفة للدار فيهما . ( للذين يتقون ) أي الشرك . ( أفلا تعقلون ) قرئ بالياء والتاء ، أي أفلا يعقلون أن الامر هكذا فيزهدوا في الدنيا . والله أعلم . قوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( 33 ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين ( 34 ) قوله تعالى : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ) كسرت ( إن ) لدخول اللام . قال أبو ميسرة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا : يا محمد والله ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نكذب ما جئت به ، فنزلت هذه الآية " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ثم آنسه بقوله : " ولقد كذبت رسل من قبلك " الآية . وقرئ " يكذبونك " مخففا ومشددا ، قيل : هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته ، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، وروي عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به ، فأنزل الله عز وجل " فإنهم لا يكذبونك " قال النحاس : وقد خولف أبو عبيد في هذا . وروي : لا نكذبك . فأنزل الله عز وجل : " لا يكذبونك " . ويقوي هذا أن رجلا قرأ على ابن عباس " فإنهم لا يكذبونك " مخففا فقال له ابن عباس : " فإنهم لا يكذبونك " لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم الأمين . ومعنى " يكذبونك " عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب ، ويردون عليك ما قلت . ومعنى " لا يكذبونك " أي لا يجدونك تأتي بالكذب ، كما تقول : أكذبته وجدته كذابا ، وأبخلته وجدته بخيلا ، أي لا يجدونك كذابا إن تدبروا ما جئت به . ويجوز أن يكون المعنى : لا يثبتون عليك أنك كاذب ، لأنه يقال : أكذبته

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 320 ، ص 361 .