القرطبي

414

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : ( وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ) أي لقصر مدتها كما قال : ألا إنما الدنيا كأحلام نائم * وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة * فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وقال آخر : فاعمل على مهل فإنك ميت * واكدح لنفسك أيها الانسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كانا ( 1 ) وقيل : المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ولهو ، أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له ، فهو بمنزلة اللعب واللهو . ونظر سليمان بن عبد الملك في المرآة فقال : أنا الملك الشاب ، فقالت له جارية له : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للانسان ليس فيما بدا لنا منك عيب * كان ( 2 ) في الناس غير أنك فاني وقيل : معنى ( لعب ولهو ) باطل وغرور ، كما قال : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ( 3 ) [ آل عمران : 185 ] فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم : " إن هي إلا الحياة الدنيا " . واللعب معروف ، والتلعابة الكثير اللعب ، والملعب مكان اللعب ، يقال : لعب يلعب . واللهو أيضا معروف ، وكل ما شغلك فقد ألهاك ، ولهوت من اللهو ، وقيل : أصله الصرف عن الشئ ، من قولهم : لهيت عنه ، قال المهدوي : وفيه بعد ، لان الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم : لهيان ، ولام الأول واو . الثانية - ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة ، فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به ، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما ، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة ( 4 ) لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها . وقال محمود الوراق :

--> ( 1 ) فيه إقواء . ( 2 ) في هامش ب : عابه الناس . ( 3 ) راجع ج 17 ص 255 . ( 4 ) في ك : تجارة .