القرطبي
412
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إلى هذا القفال وغيره ، قال القشيري : وهذا ليس بشئ ، لان حمل اللقاء في موضع على الجزاء لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع ، فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية ، والكفار كانوا ينكرون الصانع ، ومنكر الرؤية منكر للوجود ! قوله تعالى : ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها . ومعنى ( بغتة ) فجأة ، يقال : بغتهم الامر يبغتهم بغتا وبغتة . وهي نصب على الحال ، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال ، كما تقول : قتلته صبرا ، وأنشد : ( 1 ) فلايا بلاي ما حملنا وليدنا * على ظهر محبوك ظماء مفاصله ولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه ، لا يقال : جاء فلان سرعة . قوله تعالى : ( قالوا يا حسرتنا ) وقع النداء على الحسرة وليست بمنادي في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التحسر ، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا بمنادين في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء ، قال سيبويه : كأنه قال يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك ، وكذلك قولك يا حسرتي [ أي يا حسرتا ] ( 2 ) تعالى فهذا وقتك ، وكذلك ما لا يصح نداؤه يجرى هذا المجرى ، فهذا أبلغ من قولك تعجبت . ومنه قول الشاعر : * فيا عجبا من رحلها المتحمل ( 3 ) * وقيل : هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل بهم من الحسرة ، أي يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة ، فوقع النداء على غير المنادى حقيقة ، كقولك : لا أرينك ها هنا . فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة .
--> ( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى والشاهد فيه قوله : ( لايا بلاى ) ونصب على المصدر الموضوع في موضع الحال والتقدير حملنا وليدنا مبطئين ملتئين . وصف فرسا بالنشاط وشدة الخلق فيقول : إذا حملنا الغلام عليه ليصيد امتنع لنشاطه فلم نحمله إلا بعد إبطاء وجهد واللأى الابطاء المحبوك الشديد الخلق والظماء هنا القليلة اللحم - وهو المحمود منها - وأصل الظمأ العطش . ( شواهد سيبويه ) . ( 2 ) من ب ، ج ، ك ، ع . ( 3 ) شطر بيت من معلقة امرئ القيس وصدره : * ويوم عقرت للعذارى مطيتي *