القرطبي
399
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده ) القهر الغلبة ، والقاهر الغالب ، وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل ، قال الشاعر : ( 1 ) تمنى حصين أن يسود جذاعه * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب . ومعنى ( فوق عباده ) فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم ، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان ، كما تقول : السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة . وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة ، وهو منع غيره عن بلوغ المراد . ( وهو الحكيم ) في أمره ( الخبير ) بأعمال عباده ، أي من اتصف بهذه الصفات يجب ألا يشرك به . قوله تعالى : ( قل أي شئ أكبر شهادة ) وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك بأنك رسول الله فنزلت الآية ، عن الحسن وغيره . ولفظ ( شئ ) هنا واقع موقع اسم الله تعالى ، المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة . قوله تعالى : ( وأوحى إلى هذا القرآن ) أي والقرآن شاهد بنبوتي . ( لأنذركم به ) يا أهل مكة . ( ومن بلغ ) أي ومن بلغه القرآن . فحذف ( الهاء ) لطول الكلام . وقيل : ومن بلغ الحلم . ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد . وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما ، فقال : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " ( 2 ) [ المائدة : 67 ] . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . وفي الخبر أيضا ، من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه . وقال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له . وقال القرظي : من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه . وقرأ أبو نهيك : ( وأوحى إلي هذا القرآن ) مسمى الفاعل ، وهو معنى قراءة الجماعة . ( أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ) استفهام توبيخ
--> ( 1 ) هو المخبل السعدي يهجو الزبرقان وقومه وجذاع الرجل قومه . ( 2 ) راجع ص 242 من هذا الجزء .