القرطبي

387

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد ، وقد تقدم هذا المعنى ومحامل جعل في ( البقرة ) ( 1 ) مستوفى . الخامسة - قوله تعالى : ( ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) ابتداء وخبر والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده . قال ابن عطية : ف‍ " ثم " دالة على قبح فعل الكافرين لان المعنى : أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم والله أعلم . قوله تعالى : هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ( 2 ) قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من طين ) الآية خبر وفي معناه قولان : أحدهما وهو الأشهر وعليه من الخلق الأكثر أن المراد آدم عليه السلام والخلق نسله والفرع يضاف إلى أصله فلذلك قال : " خلقكم " بالجمع فأخرجه مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده ، هذا قول الحسن وقتادة وابن أبي نجيح والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم الثاني : أن تكون النطفة خلقها الله من طين على الحقيقة ثم قلبها حتى كان الانسان منها ذكره النحاس . قلت : وبالجملة فلما ذكر عز وجل خلق العالم الكبير ذكر بعده خلق العالم الصغير وهو الانسان وجعل فيه ما في العالم الكبير على ما بيناه في " البقرة " ( 2 ) في آية التوحيد [ والله أعلم ] ( 3 ) والحمد لله . وقد روى أبو نعيم الحافظ في كتابه عن مرة عن ابن مسعود أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة فيضعها على كفه ثم يقول : يا رب مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال مخلقة قال : يا رب ما الرزق ما الأثر ما الاجل ؟ فيقول : انظر في أم الكتاب فينظر في اللوح

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 228 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 202 وما بعدها . ( 3 ) من ع .