القرطبي
376
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مربوب ولست برب وعابد ولست بمعبود . ثم قال : " إن كنت قلته فقد علمته " فرد ذلك إلى علمه وقد كان الله عالما به أنه لم يقله ولكنه سأله عنه تقريعا لمن اتخذ عيسى إلها . ثم قال : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) أي تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك . وقيل : المعنى تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم وقيل : تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه . وقيل : تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد وقيل : تعلم سري ولا أعلم سرك لان السر موضعه النفس . وقيل : تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة قلت : والمعنى في هذه الأقوال متقارب أي تعلم سري وما انطوى عليه ضميري الذي خلقته ولا أعلم شيئا مما استأثرت به من غيبك وعلمك . ( إنك أنت علام الغيوب ) ما كان وما يكون وما لم يكن وما هو كائن قوله تعالى : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد ( 117 ) قوله تعالى : ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) يعني في الدنيا بالتوحيد . ( أن اعبدوا الله ) " أن " لا موضع لها من الاعراب وهي مفسرة مثل " وانطلق الملا منهم أن امشوا " ( 1 ) [ ص : 6 ] . ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله . ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين قوله تعالى : ( وكنت عليهم شهيدا ) أي حفيظا بما أمرتهم . ( ما دمت فيهم ) " ما " في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم . ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه أن يرفعه وليس بشئ لان الاخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه وإنما المعنى
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 151 .