القرطبي

344

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا ، لم يقبل منهم . وقال ابن المبارك قوله تعالى : " عليكم أنفسكم " خطاب لجميع المؤمنين ، أي عليكم أهله دينكم ، كقوله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم " فكأنه قال : ليأمر بعضكم بعضا ، ولينه بعضكم بعضا ، فهو دليل على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب ، وهذا لان الامر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدم ، وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير . وقال سعيد بن المسيب : معنى الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقال ابن خويزمنداد : تضمنت الآية اشتغال الانسان بخاصة نفسه ، وتركه التعرض لمعائب الناس ، والبحث عن أحوالهم فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى : " كل نفس بما كسبت رهينة " ( 1 ) [ المدثر : 38 ] ، " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ( 2 ) [ الانعام : 164 ] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ كن جليس ( 3 ) بيتك وعليك بخاصة نفسك ] . ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فينكر بقلبه ، ويشتغل بإصلاح نفسه . قلت : قد جاء حديث غريب رواه ابن لهيعة : قال حدثنا بكر بن سوادة الجذامي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك ] . قال علماؤنا : إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان ، وفساد الأحوال ، وقلة المعينين . وقال جابر بن زيد : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب ، عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم ، قال : وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت ، فأنزل الله الآية بسبب ذلك . وقيل : الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ ، فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون ، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم . وقيل : نزلت في الأسارى الذين عذبهم المشركون حتى ارتد بعضهم ، فقيل لمن بقي على الاسلام : عليكم أنفسكم لا يضركم ارتداد أصحابكم . وقال : سعيد بن جبير : هي

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 85 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 157 . ( 3 ) في ب ، ع ، ه‍ : حلس بالمهملة : وهو بساط في البيت ، وحلس بيته إذا لم يبرح مكانه .