القرطبي
321
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة - قوله تعالى : ( وللسيارة ) فيه قولان : أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم ، فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام ، كما أحله لمن سافر . الثاني - أن السيارة هم الذين يركبونه ، كما جاء في حديث مالك والنسائي : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] قال ابن العربي قاله علماؤنا : فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم [ نعم ] لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش ، لان الجواب مرتبط بالسؤال ، فكان يكون محالا عليه ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة ، وبيان الشرع فقال : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] . قلت : وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم ، لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع ، إلا ما نص بالتخصيص عليه ، كقوله لأبي بردة في العناق : [ ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك ] . السادسة - قوله تعالى : ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) التحريم ليس صفة للأعيان ، إنما يتعلق بالافعال فمعنى قوله : " وحرم عليكم صيد البر " أي فعل الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد ، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدم ، وهو الأظهر لاجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ، لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي . السابعة - اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق ، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان : إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ، ولا من أجله ، لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني