القرطبي

31

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : ( يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا ، قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه . وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي " [ المائدة : 2 ] الآية . وقال بعضهم : نسخ منها " أو آخران من غيركم " [ المائدة : 106 ] . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ( 1 ) فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ) قال علقمة : كل ما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني و " يا أيها الناس " [ النساء : 1 ] فهو مكي ، وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم . ( 1 ) وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ، فإنها تضمنت خمسة أحكام : الأول : الامر بالوفاء بالعقود ، الثاني : تحليل بهيمة الأنعام ، الثالث - استثناء ما يلي بعد ذلك ، الرابع - استثناء حال الاحرام فيما يصاد ، الخامس - ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم . وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم أعمل لنا مثل هذا القرآن فقال : نعم ! أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ،

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 229 .