القرطبي
303
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عقلا ، وإنما يفيدها الشرع ، وذلك بإذنه في الذبح ، أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح ، والمحرم منهي عن ذبح الصيد ، لقوله : " لا تقتلوا الصيد " فقد انتفت الأهلية بالنهي . وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحل له أكله ، وإنما يأكل منه غيره عندكم ، فإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره ، لان الفرع تبع للأصل في أحكامه ، فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لاصله . الخامسة - قوله تعالى : " الصيد " مصدر عومل معاملة الأسماء ، فأوقع على الحيوان المصيد ، ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بري وبحري حتى جاء قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " [ المائدة : 96 ] فأباح صيد البحر إباحة مطلقة ، على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى . السادسة - اختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه ، فقال مالك : كل شئ لا يعدو من السباع مثل الهر والثعلب والضبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم ، وإن قتله فداه . قال : وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم ، فإن قتلها فداها ، وهي مثل فراخ الغربان . ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب ، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد ، وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحدأة . قال إسماعيل : إنما ذلك لقوله عليه السلام : [ خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ] الحديث ، فسماهن فساقا ، ووصفهن بأفعالهن ، لان الفاسق فاعل [ للفسق ] ( 1 ) ، والصغار لا فعل لهن ، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقر ، فلا تدخل في هذا النعت . قال [ القاضي ] ( 1 ) إسماعيل : الكلب العقور مما يعظم ضرره على الناس . قال : ومن ذلك الحية والعقرب ، لأنه يخاف منهما ، وكذلك الحدأة والغراب ، لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس . قال ابن بكير : إنما أذن في قتل العقرب لأنها ذات حمة ( 2 ) ، وفي الفأرة لقرضها السقاء ( 3 ) والحذاء اللذين بهما قوام المسافر . وفي الغراب
--> ( 1 ) من ك . ( 2 ) الحمة : السم أو الإبرة تضرب بها العقرب والزنبور ونحو ذلك . ( 3 ) السقاء : القربة .