القرطبي
300
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
صيد اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم ، واشتبهت أحكامه عليهم ، فأنزل الله هذه الآية بيانا لاحكام أحوالهم وأفعالهم ، ومحظورات حجهم وعمرتهم . الثانية - اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين : أحدهما - أنهم المحلون ، قاله مالك . الثاني : أنهم المحرمون قاله ابن عباس ، وتعلق بقوله تعالى : " ليبلونكم " فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الاحرام . قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ، فإن التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من أمور الصيد ، وما شرع له من وصفه في كيفية الاصطياد . والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ومحرمهم ، لقوله تعالى : " ليبلونكم الله " أي : ليكلفنكم ، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة ، وتباين في الضعف والشدة . الثالثة - قوله تعالى : " بشئ من الصيد " يريد ببعض الصيد ، فمن للتبعيض ، وهو صيد البر خاصة ، ولم يعم الصيد كله لان للبحر صيدا ، قال الطبري وغيره . وأراد بالصيد المصيد ، لقوله : " تناله أيديكم " . الرابعة - قوله تعالى : " تناله أيديكم ورماحكم " بيان لحكم صغار الصيد وكباره . وقرأ ابن وثاب والنخعي : " يناله " بالياء منقوطة من تحت . قال مجاهد : الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر ، والرماح تنال كبار الصيد . وقال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " وكل شئ يناله الانسان بيده أو برمحه أو بشئ من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى . الخامسة - خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عظم ( 1 ) التصرف في الاصطياد ، وفيها تدخل الجوارح والحبالات ، وما عمل باليد من فخاخ وشباك ، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد ، وفيها يدخل السهم ونحوه ، وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أول السورة ( 2 ) بما فيه الكفاية والحمد لله .
--> ( 1 ) أي معظمه . ( 2 ) راجع ص 65 فما بعد من هذا الجزء .