القرطبي
25
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بها ، فأدع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع النصارى من الفرق الثلاث ، فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ، والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] ( 1 ) وسيأتي إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ( انتهوا خيرا لكم ) " خيرا " منصوب عند سيبويه بإضمار فعل ، كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم ، قال سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره " انتهوا خيرا لكم " لأنك إذا قلت : ائته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر ، وأنشد : فواعديه سرحتي ( 2 ) مالك * أو الربا بينهما أسهلا ومذهب أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم ، قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ، لأنه يضمر الشرط وجوابه ( 3 ) ، وهذا لا يوجد في كلام العرب . ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ، قال علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ، لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم . قوله تعالى : ( إنما الله إله واحد ) هذا ابتداء وخبر ، و " واحد " نعت له . ويجوز أن يكون " إله " بدلا من اسم الله عز وجل و " واحد " خبره ، التقدير إنما المعبود واحد . ( سبحانه أن يكون له ولد ) أي تنزيها ( 4 ) عن أن يكون له ولد ، فلما سقط " عن " كان " أن " في محل النصب بنزع الخافض ، أي كيف يكون له ولد ؟ وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل . ( له ما في السماوات وما في الأرض ) فلا شريك له ، وعيسى [ ومريم ] ( 5 ) من جملة ما في السماوات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق ! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له . ( وكفى بالله وكيلا ) أي لأوليائه ، وقد تقدم .
--> ( 1 ) راجع ص 116 من هذا الجزء . ( 2 ) البيت لعمر بن أبي ربيعة ، و ( سرحتا مالك ) : موضع بعينه : والسرحتان شجرتان شهر الموضع بهما ، والربا : جمع ربوة وهي المشرف من الأرض . ( 3 ) في السمين : لان تقدير إن تؤمنوا يكن الايمان خيرا لكم . ( 4 ) في ك تنزيه . ( 5 ) من ز .