القرطبي

248

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الباقون ، فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن . و " أن " مخففة من الثقيلة ودخول " لا " عوض من التخفيف ، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه ، ففصلوا بينهما ( بلا ) . ومن نصب جعل " أن " ناصبة للفعل ، وبقي حسب على بابه من الشك وغيره . قال سيبويه : حسبت ألا يقول ذلك ، أي حسبت أنه قال ذلك . وإن شئت نصبت ، قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود كما قال : ( 1 ) ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي وإنما صار الرفع أجود ، لان حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه ( 2 ) شئ ثابت . قوله تعالى : ( فعموا ) أي عن الهدى . ( وصموا ) أي عن سماع الحق ، لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه . ( ثم تاب الله عليهم ) في الكلام إضمار ، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط ، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا ، فهذا بيان " تاب الله عليهم " أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة . ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فارتفع " كثير " على البدل من الواو . وقال الأخفش سعيد : كما تقول رأيت قومك ثلثيهم . وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم كثير منهم . وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير . وجواب رابع أن يكون على لغة من قال : ( أكلوني البراغيث ) وعليه قول الشاعر : ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه ومن هذا المعنى قوله : " وأسروا النجوى ( 4 ) الذين ظلموا " [ الأنبياء : 3 ] . ويجوز في غير القرآن ( كثيرا ) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف .

--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس ويروى في ديوانه ( ألا يحسن اللهو ) . وبسباسة امرأة من بني أسد . ( 2 ) في ج وع : في أنه . ( 3 ) البيت للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء . ودياف قرية بالشام ، وقيل : بالجزيرة ، وأهلها نبط الشام . والسليط : الزيت . ( 4 ) راجع ج 11 ص 268 .