القرطبي
242
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ( 1 ) إلا ما يليق بهما . وقد : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا ، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين ، والله أعلم . والاقتصاد الاعتدال في العمل ، وهو من القصد ، والقصد إتيان الشئ ، تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى . ( ساء ما يعملون ) أي بئس شئ عملوه ، كذبوا الرسل ، وحرفوا الكتب وأكلوا السحت . قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين ( 67 ) فيه مسئلتان : الأولى - قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) . قيل : معناه أظهر التبليغ ، لأنه كان في أول الاسلام يخفيه خوفا من المشركين ، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية ، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس . وكان عمر رضي الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا ، وفي ذلك نزلت : " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " ( 2 ) [ الأنفال : 64 ] فدلت الآية على رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية ، وعلى بطلانه ، وهم الرافضة ، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين ، لان المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فائدة . وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية [ رضي الله عنها ] ( 3 ) . وقيل غير هذا ، والصحيح القول بالعموم ، قال ابن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته ، وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه ، وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك
--> ( 1 ) كذا في ج وك وع . ( 2 ) راجع ج 8 ص 42 . ( 3 ) من ع .