القرطبي

239

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والنعمة والصلة ، لان الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه ، لبطلان معنى التخصيص ، فلم يبق إلا أن تحمل ( 1 ) على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور ، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ، ومثله ما روى أنه [ عز اسمه وتعالى علاه وجد أنه ] ( 2 ) كتب التوراة بيده ، وغرس دار الكرامة [ بيده ] ( 3 ) لأهل الجنة ، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها . قوله تعالى : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) حذفت الضمة من الياء لثقلها ، أي غلت في الآخرة ، ويجوز أن يكون دعاء عليهم ، وكذا " ولعنوا بما قالوا " والمقصود تعليمنا كما قال : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " ( 4 ) [ الفتح : 27 ] ، علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : " تبت يدا أبي لهب " ( 5 ) [ المسد : 1 ] وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق ، فلا ترى يهوديا غير لئيم . وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو ، أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم . واللعن بالابعاد ، وقد تقدم . قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) ابتداء وخبر ، أي بل نعمته مبسوطة ، فاليد بمعنى النعمة . قال بعضهم : هذا غلط ، لقوله : " بل يداه مبسوطتان " فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان ؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد ، فيكون مثل قوله عليه السلام : ( مثل المنافق كالشاة العائرة ( 6 ) بين الغنمين ) . فأحد الجنسين نعمة الدنيا ، والثاني نعمة الآخرة . وقيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة ، كما قال : " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " ( 7 ) [ لقمان : 20 ] . وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : ( النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سئ عملك ) . وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما . وقيل : إن النعمة ( 8 ) للمبالغة ، كقول العرب : ( لبيك وسعديك ) وليس يريد الاقتصار على مرتين ، وقد يقول القائل : ما لي بهذا الامر يد أو قوة . قال السدي ، معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب

--> ( 1 ) كذا في الأصول إلا في ج ، ز : تحملا . ولا وجه للتثنية هنا . ( 2 ) من ز . ( 3 ) من ع . ( 4 ) راجع ج 16 ص 289 . ( 5 ) راجع ج 20 ص 234 . ( 6 ) العائرة بين الغنمين : أي المترددة بين قطيعين ، لا تدرى أيهما تتبع . ( 7 ) راجع ج 14 ص 73 . ( 8 ) تلك عبارة الأصول ، أو صوابها ما في الجصاص : إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك الخ . راجع ج 2 ص 448 .