القرطبي

215

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال : ( فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور ) في رواية ( وإني لا أشهد إلا على حق ) . قالوا : وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز . وقول : ( أشهد على هذا غيري ) ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها ، لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه ، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه . وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعله قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك . فإن قيل : الأصل تصرف الانسان في ماله مطلقا ، قيل له : الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص . وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص ، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر ، وذلك محرم ، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) . قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة ، والصدقة لا يعتصرها ( 1 ) الأب بالانفاق وقوله : ( فارجعه ) محمول على معنى فاردده ، والرد ظاهر في الفسخ ، كما قال عليه السلام ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي مردود مفسوخ . وهذا كله ظاهر قوي ، وترجيح جلي في المنع . الثالثة - قرأ ابن وثاب والنخعي " أفحكم " بالرفع على معنى يبغونه ، فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله : قد أصبحت أم الخيار تدعي * على ذنبا كله لم أصنع فيمن روى " كله " بالرفع . ويجوز أن يكون التقدير : أفحكم الجاهلية حكم يبغونه ، فحذف الموصوف . وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش " أفحكم " بنصب الحاء والكاف وفتح الميم ، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم ، وإنما المراد الحكم ، فكأنه قال : أفحكم حكم الجاهلية يبغون . وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون

--> ( 1 ) يعتصر : يرتجع .