القرطبي
213
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إليك في كتابه . ( واحذرهم أن يفتنوك ) " أن " بدل من الهاء والميم في " واحذرهم " وهو بدل اشتمال . أو مفعول من أجله ، أي من أجل أن يفتنوك . وعن ابن إسحاق قال ابن عباس : اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صوريا وكعب بن أسد وابن صلوبا وشأس ابن عدي وقالوا : اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فإنما هو بشر ، فأتوه فقالوا : قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود ، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود ، وإن بيننا وبين قوم خصومة فتحاكمهم إليك ، فاقض لنا عليهم حتى نؤمن بك ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية . وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدم ، ثم يختلف معناها ، فقوله تعالى هنا " يفتنوك " معناه يصدوك ويردوك ، وتكون الفتنة بمعنى الشرك ، ومنه قوله : " والفتنة أكبر من القتل ( 1 ) " وقوله : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ( 2 ) " . وتكون والفتنة بمعنى العبرة ، كقوله : " لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ( 3 ) " . و ( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين " [ يونس : 85 ] ( 4 ) . وتكون الفتنة الصد عن السبيل كما في هذه الآية . وتكرير " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " للتأكيد ، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله . وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قال : " أن يفتنوك " وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد . وقيل : الخطاب له والمراد غيره . وسيأتي بيان هذا في " الانعام " إن شاء الله تعالى ومعنى ( عن بعض ما أنزل الله إليك ) عن كل ما أنزل الله إليك . والبعض يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر : * أو يعتبط بعض النفوس حمامها * ويروى " أو يرتبط " . أراد كل النفوس ، وعليه حملوا قوله تعالى : " ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه " ( 6 ) [ الزخرف : 63 ] . قال ابن العربي : والصحيح أن " بعض " على حالها في هذه الآية ، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكل . والله أعلم .
--> ( 1 ) راجع 3 ص 40 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 404 وص 351 ج 2 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 56 . ( 4 ) راجع ج 8 ص 370 . ( 5 ) هو لبيد ، وصدره : ( تراك أمكنة إذا لم أرضها ) . وفي اللسان : ( أو يتعلق ) ابن سيده : ( وليس هذا عندي على ما ذهب إليه أهل اللغة من أن البعض في معنى الكل ، هذا نقض ، ولا دليل في هذا البيت لأنه إنما عنى ببعض النفوس نفسه ) . ( 6 ) راجع ج 16 ص 107 .