القرطبي
211
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الاحكام . والأهواء جمع هوى ، ولا يجمع أهوية ، وقد تقدم في " البقرة " ( 1 ) . فنهاه عن أن يتبعهم فيما يريدونه ، وهو يدل على بطلان قول من قال : تقوم الخمر على من أتلفها عليهم ، لأنها ليست مالا لهم فتكون مضمونة على متلفها ، لان إيجاب ضمانها على متلفها حكم بموجب أهواء اليهود ، وقد أمرنا بخلاف ذلك . ومعنى ( عما جاءك ) على ما جاءك . ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين . والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة . والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء . والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين ، وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن . والشارع الطريق الأعظم . والشرعة أيضا الوتر ، والجمع شرع وشرع وشراع جمع الجمع ، عن أبي عبيد ، فهو مشترك . والمنهاج الطريق المستمر ، وهو النهج والمنهج ، أي البين ، قال الراجز : من يك ذا شك فهذا فلج * ماء رواء ( 2 ) وطريق نهج وقال أبو العباس محمد بن يزيد : الشريعة ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستمر . وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما " شرعة ومنهاجا " سنة وسبيلا . ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها ، والإنجيل لأهله ، والقرآن لأهله ، وهذا في الشرائع والعبادات ، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه ، روي معنى ذلك عن قتادة . وقال مجاهد : الشرعة والمنهاج دين محمد عليه السلام ، وقد نسخ به كل ما سواه . قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) أي لجعل شريعتكم واحدة فكنتم على الحق ، فبين أنه أراد بالاختلاف إيمان قوم وكفر قوم . ( ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ) في الكلام حذف تتعلق به لام كي ، أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم ، والابتلاء الاختبار . قوله تعالى : ( فاستبقوا الخيرات ) أي سارعوا إلى الطاعات ، وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها ، وذلك لا اختلاف فيه في العبادات كلها إلا في الصلاة في أول
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 24 . ( 2 ) ( ما رواه ) ممدود مفتوح الراء أي عذب ( ؟ ؟ ؟ )