القرطبي
183
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا ( 1 ) أو مجلف ( 2 ) كذا الرواية . أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى ، لان معنى لم يدع لم يبق . ويقال للحالق : أسحت أي استأصل . وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها . وقال الفراء : أصله كلب الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة أي أكول ، فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم . وقيل : سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الانسان . قلت : والقول الأول أولى ، لان بذهاب الدين تذهب المروءة ، ولا مروءة لمن لا دين له . قال ابن مسعود وغيره : السحت الرشا . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رشوة الحاكم من السحت . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به ) قالوا : يا رسول الله وما السحت ؟ قال : ( الرشوة في الحكم ) . وعن ابن مسعود أيضا أنه قال : السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها . وقال ابن خويزمنداد : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه ، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها . ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام . وقال أبو حنيفة : إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل ، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك . قلت : وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله ، لان أخذ الرشوة منه فسق ، والفاسق لا يجوز حكمه . والله أعلم . وقال عليه الصلاة والسلام : ( لعن اله الراشي والمرتشي ) . وعن علي رضي الله عنه أنه قال : السحت الرشوة وحلوان ( 3 ) الكاهن والاستجعال في القضية ( 4 ) . وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له : الرشوة حرام في كل شئ ؟ فقال : لا ، إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطي ما ليس لك ، أو تدفع حقا فد لزمك ، فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك
--> ( 1 ) ويروى : ( إلا مسحت ) ومن رواه كذلك جعل ( معنى لم يدع ) لم يتقار . ( اللسان ) مادة سحت . ( 2 ) المجلف : الذي بقيت منه بقية . ( 3 ) هو ما يعطي على الكهانة . ( 3 ) في ج ، ك ، ع ، ز : الاستعجال في المعصية .