القرطبي

175

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الشافعية سبحان الله ! أين الدقائق الفقهية ( 1 ) ، والحكم الشرعية ، التي تستنبطونها من غوامض المسائل ؟ ! ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه ، المعتدى بسلاحه ، الذي يفتقر الامام معه إلى الايجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة ، كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الاسلام ، فأما السارق والزاني وهما في قبضة المسلمين وتحت حكم الامام ، فما الذي يسقط عنهم حكم ما وجب عليهم ؟ ! أو كيف يجوز أن يقال : يقاس على المحارب وقد فرقت بينهما الحكمة والحالة ! هذا مالا يليق بمثلكم يا معشر المحققين . وإذا ثبت أن الحد لا يسقط بالتوبة ، فالتوبة مقبولة والقطع كفارة له . " وأصلح " أي كما تاب عن السرقة تاب عن كل ذنب . وقيل : " وأصلح " أي ترك المعصية بالكلية ، فأما من ترك السرقة بالزنى أو التهود بالتنصر فهذا ليس بتوبة ، وتوبة الله على العبد أن يوفقه للتوبة . وقيل : أن تقبل منه التوبة . السابعة والعشرون - يقال : بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل السارقة ، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ما الحكمة في ذلك ؟ فالجواب أن يقال : لما كان حب المال على الرجال أغلب ، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب بدأ بهما في الموضعين ، هذا أحد الوجوه في المرأة على ما يأتي بيانه في سورة " النور " ( 2 ) من البداية بها على الزاني إن شاء الله . ثم جعل الله حد السرقة قطع اليد لتناول المال ، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به لثلاثة معان : أحدها : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية ( 3 ) ، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه . الثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره ، وقطع اليد في السرقة ظاهر : وقطع الذكر في الزنى باطن . الثالث - أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطاله . والله أعلم . قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير ( 40 )

--> ( 1 ) في ك : الفهمية . ( 2 ) راجع ج 12 ص 159 . ( 3 ) في ك وج : الباقية .