القرطبي
160
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بيانه أثناء الباب ، وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب . وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الاسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بنى مخزوم ، وقطع أبو بكر يد اليمنى ( 1 ) الذي سرق العقد ، وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن ابن سمرة ولا خلاف فيه . وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك ، لقوله عليه السلام ( لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) فبين انه إنما أراد بقوله : " والسارق والسارقة " بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ، أو فيما قيمته ربع دينار ، وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم ، وبه قال عمر ابن عبد العزيز والليث والشافعي وأبو ثور ، وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم ، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما . والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر ، فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه ، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور . وقال أحمد وإسحق : إن سرق ذهبا فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر ، والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق حجفة ( 2 ) ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم . وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه ، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه عليه وسلم ، فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم ، وابن عباس يقول : عشرة دراهم ، وأنس يقول : خمسة دراهم ،
--> ( 1 ) هو رجل من أهل اليمن أقطع اليد والرجل سرق عقدا لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقطع يده اليسرى . ( 2 ) الحجفة بالتحريك : الترس ، وقيل : هي من الجلود خاصة كالدرقة .