القرطبي

157

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما ، للاخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت ، ولا حالا دون حال إلا السلطان ، فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه ، للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي فيها الامر بالصبر على ما يكون منهم ، من الجور والظلم ، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة . قلت : وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشئ الخفيف كالثوب والطعام هل يعطونه أو يقاتلون ؟ وهذا الخلاف مبني على أصل ، وهو هل الامر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر ؟ وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال . والله أعلم . الرابعة عشرة - قوله تعالى : " ذلك لهم خزي في الدنيا " لشناعة المحاربة وعظم ضررها ، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر ، لان فيها سد سبيل الكسب على الناس ، لان أكثر المكاسب وأعظمها التجارات ، وركنها وعمادها الضرب في الأرض ، كما قال عز وجل : " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " ( 1 ) [ المزمل : 20 ] فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر ، واحتاجوا إلى لزوم البيوت ، فانسد باب التجارة عليهم ، وانقطعت أكسابهم ، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة ، وذلك الخزي في الدنيا ردعا لهم عن سوء فعلهم ، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم ، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة . وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ، ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو [ له ] ( 2 ) كفارة ) والله أعلم . ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره . ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم ، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب ، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة ، ثم إن هذا الوعيد مشروط الانفاذ بالمشيئة

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 50 . ( 2 ) الزيادة عن ابن عطية .