القرطبي

153

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ضيقها ، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض إلا من موضع استقراره ، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا حكى مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم ، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ، ومنه الحديث ( 1 ) ( الذي ناء بصدره ونحو الأرض المقدسة ) . وينبغي للامام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه ، وإن كان غير مخوف الجانب [ فظن أنه لا يعود إلى جناية ] ( 2 ) سرح ، فال ابن عطية : وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب ، وهذا على الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري وهو الواضح ( 3 ) ، لان نفيه من أرض النازلة هو نص الآية ، وسجنه بعد بحسب الخوف منه ، فإن تاب وفهمت حاله سرح . الخامسة - قوله تعالى : " أو ينفوا من الأرض " النفي أصله الاهلاك ، ومنه الاثبات والنفي ، فالنفي الاهلاك بالاعدام ، ومنه النفاية لردي المتاع ، ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو . قال الراجز : ( 4 ) كأن متنيه ( 5 ) من النفي * مواقع الطير على الصفي السادسة - قال ابن خويزمنداد : ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق . وقد قيل : يراعى في ذلك النصاب ربع دينار ، قال ابن العربي قال الشافعي

--> ( 1 ) هو حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا . وناء بمعنى نهض ، ويحتمل أنه بمعنى بعد ( النهاية لابن الأثير ) . ( 2 ) من ك . ( 3 ) من ك . وفي ج ، هه ، ز : الراجح . ( 4 ) هو الاخيل . ( 5 ) جاء في ( اللسان ) مادة نفى أن الصحيح ( كأن متنى ) لان بعده ( من طول إشرافي على الطوى ) . ومتنا الظهر مكتنفا الصلب عن يمين وشمال من عصب ولحم . والصفى ( بضم الصاد وكسرها ) جمع صفا مقصور ، وصفا جمع صفاة وهي الحجر ؟ الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئا . وفسر بأنه شبه الماء وقد وقع على ظهر المستقى بذرق الطائر على الصفي .