القرطبي

138

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أجله لم يتقبل قربانك ، ويروى هذا القول عن مجاهد . والوجه الآخر - أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي ، لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل . والوجه الثالث - أنه لو بسط يده إليه أثم ، فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه . فصار هذا مثل قولك : المال بينه وبين زيد ، أي المال بينهما ، فالمعنى أن تبوء بإثمنا . وأصل باء رجع إلى المباءة ، وهي المنزل . " وباءوا بغضب من الله " [ البقرة : 61 ] أي رجعوا . وقد مضى في " البقرة " ( 1 ) مستوفى . وقال الشاعر : ( 2 ) ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي * محارمنا لا يبؤ ( 3 ) الدم بالدم أي لا يرجع الدم بالدم في القود . ( فتكون من أصحاب النار ) دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد . وقد استدل بقول هابيل لأخيه قابيل : " فتكون من أصحاب النار " على أنه كان كافرا ، لان لفظ أصحاب النار إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن . وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية . ومعنى " من أصحاب النار " مدة كونك فيها . والله أعلم . قوله تعالى : فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( 30 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : " فطوعت له نفسه " . أي سولت وسهلت نفسه عليه الامر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل [ له ] ( 4 ) يقال : طاع الشئ يطوع أي سهل وانقاد . وطوعه فلان له أي سهله . قال الهروي : طوعت وأطاعت ( 5 ) واحد ، يقال : طاع له كذا إذا أتاه طوعا . وقيل : طاوعته نفسه في قتل أخيه ، فنزع الخافض فانتصب . وروي أنه

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 430 . ( 2 ) هو جابر بن جبير التغلبي . ( 3 ) هكذا روى في كتاب سيبويه ، وساقه شاهدا على جزم ( يبؤ ) في جواب الاستفهام وقال في شواهده : التقدير انته عنا لا يبؤ الدم بالدم - أي - إن انتهت عنا ولم تقتل منا لم يقتل واحد بآخر . وروى في ( اللسان ) بغير هذا . ( 4 ) من ج ، و ، ز ، ه‍ . ( 5 ) في ك : وطاوعت ، وفي ز ، و ، ه‍ : وطاعت .