القرطبي

132

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ) فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه ، ورآه فيه قائما يصلي كما في حديث الاسراء ، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم ، ولعل ذلك لئلا يعبد ، والله أعلم . ويعني بالطريق طريق بيت المقدس . ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق . واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال ، منها : أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة ، وهذا باطل ، لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له . ومنها : أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة ، وهذا مجاز لا حقيقة . ومنها : أنه عليه السلام لم يعرف ملك الموت ، وأنه رأى رجلا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها ، وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن . وهذا وجه حسن ، لأنه حقيقة في العين والصك ، قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة ، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث ، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال : " يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فلو لم يعرفه موسى لما صدق القول من ملك الموت ، وأيضا قوله في الرواية الأخرى : " أجب ربك " يدل على تعريفه بنفسه . والله أعلم . ومنها : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب ، إذ غضب طلع الدخان من قلنسوته ( 1 ) ورفع شعر بدنه جبته ، وسرعة غضبه كانت سببا لصكه ملك الموت . قال ابن العربي : وهذا كما ترى ، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب . ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال : أن موسى عليه [ الصلاة و ] ( 2 ) السلام عرف ملك الموت ، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجئ الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير ، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ( أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخبره ) فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه ، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لملك الموت ، إذ لم يصرح له بالتخيير . ومما يدل على صحة هذا ، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت

--> ( 1 ) القلنسوة : ما يلبس على الرأس . ( 2 ) من ج .