القرطبي
121
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
: لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ، ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم . وقيل : معنى " يعذبكم " عذبكم ، فهو بمعنى المضي ، أي فلم مسخكم قردة وخنازير ؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم ؟ لان الله سبحانه لا يحتج عليهم بشئ لم يكن بعد ، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا ، بل يحتج عليهم بما عرفوه . ثم قال : ( بل أنتم بشر ممن خلق ) أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ، ويجازي كلا بما عمل . ( يغفر لمن يشاء ) أي لمن تاب من اليهود . ( ويعذب من يشاء ) من مات عليها . ( ولله ملك السماوات والأرض ) فلا شريك له يعارضه . ( وإليه المصير ) أي يؤول أمر العباد إليه في الآخرة . قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير ( 19 ) قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . ( يبين لكم ) انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول . ( على فترة من الرسل ) أي سكون ، يقال فتر الشئ سكن . وقيل : " على فترة " على انقطاع ما بين النبيين ، عن أبي علي وجماعة أهل العلم ، حكاه الرماني ، قال : والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه ، من قولهم : فتر عن عمله وفترته عنه . ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد . وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر . وفتور البدن كفتور الماء . والفتر ما بين السبابة والابهام إذا فتحتهما . والمعنى ، أي مضت للرسل مدة قبله . واختلف في قدر مدة تلك الفترة ، فذكر محمد بن سعد في كتاب " الطبقات " عن ابن عباس قال : كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة ( 1 ) سنة ، ولم يكن بينهما فترة ، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل
--> ( 1 ) على المشهور . وفي الأصول : ألف سنة وتسعماية .