القرطبي

117

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ( 15 ) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ( 16 ) قوله تعالى : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) أي في التوحيد والايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، إذ هو مكتوب في الإنجيل . ( فنسوا حظا ) وهو الايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام أي لم يعملوا بما أمروا به وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سببا للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى " أخذنا ميثاقهم " هو كقولك : أخذت من زيد ثوبه ودرهمه ، قاله الأخفش . ورتبة " الذين " أن تكون بعد " أخذنا " وقبل الميثاق ، فيكون التقدير : أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ، لأنه في موضع المفعول الثاني لاخذنا . وتقديره عند الكوفيين : ومن الذين قالوا إنا نصارى من أخذنا ميثاقه ، فالهاء والميم تعودان على " من " المحذوفة ، وعلى القول الأول تعودان على " الذين " . ولا يجيز النحويون أخذنا ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى ، ولا ألينها لبست من الثياب ، لئلا يتقدم مضمر على ظاهر . وفي قولهم : " إنا نصارى " ولم يقل من النصارى دليل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها ، روي معناه عن الحسن . قوله تعالى : ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) أي هيجنا . وقيل : ألصقنا بهم ، مأخوذ من الغراء وهو ما يلصق الشئ بالشئ كالصمغ وشبهه . يقال : غري بالشئ يغرى غرا " بفتح الغين " مقصورا وغراء " بكسر الغين " ممدودا إذا أولع به كأنه التصق به . وحكى الرماني : الاغراء تسليط بعضهم على بعض . وقيل : الاغراء التحريش ، وأصله اللصوق ، يقال : غريت بالرجل غرا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذ لصقت به . وقال كثير : إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا * غراء ومدتها حوافل نهل ( 1 )

--> ( 1 ) كذا بالأصول والذي في ( اللسان ) . إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا * غراء ومدتها مدامع حفل