القرطبي

115

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير . ( لعناهم ) قال ابن عباس : عذبناهم بالجزية . وقال الحسن ومقاتل : بالمسخ . عطاء : أبعدناهم واللعن الابعاد والطرد من الرحمة . ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله ، والقاسية والعاتية بمعنى واحد . وقرأ الكسائي وحمزة : " قسية " بتشديد الياء من غير ألف ، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب . والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه . وقيل : هو من الدراهم القسيات أي الفاسدة الرديئة ، فمعنى " قسية " على هذا ليست بخالصة الايمان ، أي فيها نفاق . قال النحاس : وهذا قول حسن ، لأنه يقال : درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره . يقال : درهم قسي ( مخفف السين مشدد الياء ) مثال شقي أي زائف ، ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد : لها صواهل في صم السلام كما * صاح القسيات في أيدي الصياريف ( 1 ) يصف وقع المساحي ( 2 ) في الحجارة . وقال الأصمعي وأبو عبيد : درهم قسي كأنه معرب قاشي . قال القشيري : وهذا بعيد ، لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، بل الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا ، لان ما قلت نقرته يقسو ويصلب . وقرأ الأعمش : " قسية " بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وشجية ، من قسى يقسى لا من قسا يقسو . وقرأ الباقون على وزن فاعلة ، وهو اختيار أبي عبيد ، وهما لغتان مثل العلية والعالية ، والزكية والزاكية . قال أبو جعفر النحاس : أولى ما فيه أن تكون قسية بمعنى قاسية ، إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة . فالمعنى : جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي ، لان القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر ، كالدراهم القسية التي خالطها غش . قال الراجز : * قد قسوت وقست لداتي * ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي يتأولونه على غير تأويله ، ويلقون ذلك إلى العوام . وقيل : معناه يبدلون حروفه . و " يحرفون " في موضع نصب ، أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين .

--> ( 1 ) البيت لأبي زيد الطائي . والصواهل ( جمع الصاهلة ) مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل وهو الصوت . ( 2 ) المساحي ( جمع مسحاة ) : وهي المجرفة من الحديد .