القرطبي
99
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهو مذهب الأكثرين من العلماء ( 1 ) . قال أبو عمر : إلا أن مالكا يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة ، ولا يرى ذلك واجبا عليه ، هذا تحصيل مذهبه . وقد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعيه ، وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة ، قال علي ثم قال بعد ذلك : لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف . وسبب الخلاف ما قال بعضهم : إن " الفاء " توجب التعقيب في قوله : " فاغسلوا " فإنها لما كانت جوابا للشرط ربطت المشروط به ، فاقتضت الترتيب في الجميع ، وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه ، وإنما كنت تقتضي الترتيب في الجميع لو كان جواب الشرط معنى واحدا ، فإذا كانت جملا كلها جوابا لم تبال بأيها بدأت ، إذ المطلوب تحصيلها . قيل : إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو ، وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو ، وتخاصم بكر وخالد ، فدخولها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب . والصحيح أن يقال : إن الترتيب متلقي من وجوه أربعة : الأول - أن يبدأ بما بدأ الله به كم قال عليه الصلاة والسلام حين حج : ( نبدأ بما بدأ الله به ) . الثاني - من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون . الثالث - من تشبيه الوضوء بالصلاة . الرابع - من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك . احتج من أجاز ذلك بالاجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة ، فكذلك غسل أعضاء الوضوء ، لان المعنى في ذلك الغسل لا التبدية . وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت . وعن عبد الله بن مسعود قال : لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك ، قال الدارقطني : هذا مرسل ولا يثبت ، والأولى وجوب الترتيب . والله أعلم . الثامنة عشرة - إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء ، ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك ، لان التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة ، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء . احتج الجمهور بقوله تعالى : " فلم تجدوا ماء فتيمموا " وهذا واجد ، فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم .
--> ( 1 ) في ز : علمائنا .