القرطبي

4

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إلى : والأرحام ) ، ثم قال : ( تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره ) وذكر الحديث ( 1 ) . فمعنى هذا على النصب ، لأنه حضهم على صلة أرحامهم . وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) . فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم . وقد قال أبو إسحاق : معنى ( تساءلون ( به ) يعني تطلبون حقوقكم به . ولا معنى للخفض أيضا مع هذا . قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة ( والأرحام ) بالخفض ، واختاره ابن عطية . ورده الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري ، واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ، لان القراءات التي قرأ بها ( 2 ) أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستقبح ما قرأ به ، وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته . وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ، لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء ( 3 ) : ( وأبيك لو طعنت في خاصرته ) . ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله ، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه . قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم ، أي اتقوا الله وحق الرحم ( 4 ) ، كما تقول : افعل كذا وحق أبيك . وقد جاء في التنزيل : ( والنجم ) ، والطور ، والتين ، لعمرك ) وهذا تكلف . قلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون ( والأرحام ) من هذا القبيل ، فيكون [ أقسم بها ( 5 ) ] كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه . والله أعلم .

--> ( 1 ) الرواية في صحيح مسلم كتاب الزكاة ( تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمرة ) . وليس فيها تكرار . وهي الرواية ذاتها والسند . ( 2 ) في ب وط : قرأتها . ( 3 ) في تهذيب التهذيب : ( أبو العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو طعنت في فخذها لأجزأك ) الحديث في الذكاة . ( 4 ) في ج : الأرحام . ( 5 ) في ب وج‍ وط ود وى .