القرطبي

43

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

منسوخة بقوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) . وقول خامس - وهو الفرق بين الحضر والسفر ، فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر . فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ، ولا يقتني شيئا ، قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد . وقول سادس - قال أبو قلابة : فليأكل بالمعروف مما يجني من الغلة ، فأما المال الناض ( 1 ) فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره . وقول سابع - روى عكرمة عن ابن عباس ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال : إذا احتاج واضطر . وقال الشعبي : كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه ، فإن وجد أو في . قال النحاس : وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد . وقال ابن عباس أيضا والنخعي : المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم ، فيستعفف الغنى بغناه ، والفقير يقتر ( 2 ) على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه . قال النحاس : وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية ، لان أموال الناس محظورة لا يطلق شئ منها إلا بحجة قاطعة . قلت : وقد اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له ، فقال : ( توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل ( 3 ) من مال الصبي قدرا لا ينتهى إلى حد السرف ، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به من قوله : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ولا يتحقق ذلك في [ مال ( 4 ) ] اليتيم . فقوله : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) يرجع إلى [ أكل ( 3 ) ] مال نفسه دون مال اليتيم . فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم ، بل اقتصروا على أكل أموالكم . وقد دل عليه قوله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) . وبان بقوله تعالى : ( ومن كان غثيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) الاقتصار على البلغة ، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم ، فهذا تمام معنى الآية .

--> ( 1 ) الناض : الدرهم والدينار عند أهل الحجاز ويسمى ناضا إذا تحول نقدا بعد أن كان متاعا . ( 2 ) في ب وط وز : يقوت . ولا معنى له . وفى اللغة : أقات على الشئ : اقتدر عليه . ( 3 ) في ب : يأخذ . ( 4 ) زيادة عن أحكام القران للكيا الطبري .