القرطبي
406
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فالأصل ( يصتلحا ) ثم صار إلى يصطلحا ، ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها الصاد ، ، ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الزفير . الخامسة - قوله تعالى : ( والصلح خير ) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الاطلاق . ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطئ أو غير ذلك . ( خير ) أي خير من الفرقة ، فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر ، وقال عليه السلام في البغضة : ( إنها الحالقة ) يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر . السادسة - قوله تعالى : ( وأحضرت الا نفس الشح ) إخبار بأن الشح في كل أحد . وأن الانسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره ، يقال : شح يشح ( بكسر الشين ) قال ابن جبير : هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها . وقال ابن زيد : الشح هنا منه ومنها . وقال ابن عطية : وهذا أحسن ، فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها ، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة . والشح الضبط على المعتقدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك ، فما أفرط منه على الدين فهو محمود ، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة ، وهو الذي قال الله فيه : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ( 1 ) ) . وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية [ أو ( 2 ) ] التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة . وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول . قلت : وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ) ؟ قالوا : الجد بن قيس على بخل فيه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأي داء أدوى من البخل ) ! قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : ( إن قوما نزلوا بساحل [ البحر ( 3 ) ] فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 144 ( 2 ) الزيادة عن ابن عطية . ( 3 ) من ج 4 ص 292