القرطبي
391
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثابت عن ابن عمر ، وكان يقول : هو نماء ( 1 ) خلق الله ، وكره ذلك عبد الملك بن مروان . وقال الأوزاعي : كانوا يكرهون خصاء كل شئ له نسل . وقال ابن المنذر : وفيه حديثان : أحدهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل . والآخر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر ( 2 ) الروح وخصاء البهائم . والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره الاخصاء ويقول : فيه تمام الخلق . قال أبو عمر : يعني في ترك الاخصاء تمام الخلق ، وروي نماء الخلق . قلت : أسنده أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تخصوا ما ينمي خلق الله ) . رواه عن الدارقطني شيخه ، قال : حدثنا [ أبو عبد الله المعدل حدثنا ( 3 ) ] عباس بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل ، فذكره . قال الدارقطني : ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك . الخامسة - وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة ، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته ، عكس الحيوان ، وأنقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام : ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ( 4 ) ) ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك ، فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس ، وكل ذلك منهي عنه . ثم هذه مثلة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، وهو صحيح . وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا : لو لم يشتروا منهم لم يخصوا . ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز ، لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى ، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود ، قال أبو عمر . السادسة - وإذا تقرر هذا فأعلم أن الوسم والاشعار مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان ، وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب الحيوان بالنار ، والوسم : الكي بالنار وأصله العلامة ، يقال : وسم الشئ يسمه إذا علمه بعلامة يعرف بها ، ومنه قوله تعالى : ( سيماهم في وجوههم ( 5 ) ) . فالسيما العلامة والميسم المكواة . وثبت في صحيح مسلم عن أنس
--> ( 1 ) في ج ، ط ، ز : هو مما خلق الله . ( 2 ) صبر الانسان وغيره على القتل : هو أن يحبس ثم يرمى بشئ حتى يموت . ( 3 ) كذا في كل الأصول بالدال المهملة ، ولعله أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعذل بالمعجمة . ( 4 ) كذا في الأصول وكثير من الكتب . وصحته الرواية كما في البيهق ( تناكحوا تكثروا فانى أباهي بكم الأمم يوم القيامة ) راجع كشف الخفا ج 1 ص 318 ( 5 ) راجع ج 16 ص 292