القرطبي
370
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه ، فإن لم يقدروا على الايماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخروها حتى يأمنوا ، وبه قال مكحول . قلت : وحكاه الكيا الطبري في ( أحكام القرآن ) له عن أبي حنيفة وأصحابه ، قال الكيا : وإذا كان الخوف أشد من ذلك وكان التحام القتال فإن المسلمين يصلون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها ، وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة هذه بل يؤخرون الصلاة . وإن قاتلوا في الصلاة قالوا : فسدت الصلاة وحكي عن الشافعي أنه إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته . قلت : وهذا القول يدل على صحة قول أنس : حضرت مناهضة حصن تستر ( 1 ) عند إضاءة الفجر ، واشتد اشتعال القتال فلم نقدر على الصلاة إلا بعد ارتفاع النهار ، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا . قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها ، ذكره البخاري وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بأبي حجة ، وهو اختيار البخاري فيما يظهر ، لأنه أردفه بحديث جابر ، قال : جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول : يا رسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأنا والله ما صليتها ) قال : فنزل إلى بطحان ( 2 ) فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها . السادسة - واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب ، فقال مالك وجماعة من أصحابه هما سواء ، كل واحد منهما يصلي على دابته . وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم : لا يصلي الطالب إلا بالأرض وهو الصحيح ، لان الطلب تطوع ، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلي بالأرض حيثما أمكن ذلك ، ولا يصليها راكب إلا خائف شديد خوفه وليس كذلك الطالب . والله أعلم .
--> ( 1 ) بلد بالأهواز منها عبد الله بن سهل الزاهد . ( 2 ) بطحان : واد بالمدينة .