القرطبي
356
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لم يقصر . والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية ، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما . وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ذلك ، وروي عن مالك . وقد تقدم في ( البقرة ( 1 ) ) واختلف عن أحمد ، فمرة قال بقول الجمهور ، ومرة قال : لا يقصر إلا في حج أو عمرة . والصحيح ما قاله الجمهور ، لان القصر إنما شرع تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه ، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز ، وكل الاسفار في ذلك سواء ، لقوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ) أي إثم ( أن تقصروا من الصلاة ) فعم . وقال عليه السلام ( خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا ) . وقال الشعبي ( 2 ) : إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه . وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه ، لان ذلك يكون عونا له على معصية الله ، والله تعالى يقول : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ( 3 ) ) . الرابعة - واختلفوا متى يقصر ، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية ، وحينئذ هو ضارب في الأرض ، وهو قول مالك في المدونة . ولم يحد مالك في القرب حدا . وروي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال ، وإلى ذلك في الرجوع . وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها . وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله ، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود ، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى . قلت : ويكون معنى الآية على هذا : ( وإذا ضربتم في الأرض ) أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض . والله أعلم . وروي عن مجاهد أنه قال : لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل . وهذا شاذ ، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين . أخرجه الأئمة ، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال أو سبعة ( 4 ) .
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 277 ( 2 ) هذا حديث رواه أحمد والبيهقي بلفظ ( ان الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) . ( 3 ) راجع ج 6 ص 37 ( 4 ) في ج وط : وقيل سبعة .