القرطبي
353
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فقال : يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال عبد الله بن عمر : يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا ، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل . ففي هذا الخبر ( 1 ) قصر الصلاة في السفر من غير خوف ستة لا فريضة ، لأنها لا ذكر لها في القرآن ، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا ، فلم يبح القصر في كتابه إلا مع هذين الشرطين . ومثله في القرآن : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ( 2 ) ) الآية ، وقد تقدم . ثم قال تعالى : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) أي فأتموها ، وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى ، فكان ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم ، زيادة في أحكام الله تعالى كسائر ما سنة وبينه ، مما ليس له في القرآن ذكر . وقوله : ( كما رأيناه يفعل ) مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف ، فقال : ( تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته ( 3 ) ) يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشئ في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشئ على لسان نبيه من غير ذلك الشرط . وسأل حنظلة ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان . قلت : فأين قوله تعالى : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ونحن آمنون ؟ قال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة ، وكذلك قال ابن عباس . فأين المذهب عنهما ؟ . قال أبو عمر : ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث ، لأنه لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر ، وأسقط من الاسناد رجلا ، والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبد الله ابن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، والله أعلم . الثانية - واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة ، فقال داود : تقصر في كل سفر طويل أو قصير ، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة ، متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال :
--> ( 1 ) في ج وط : الحديث . ( 2 ) راجع ص 135 من هذا الجزء . ( 3 ) نص الحديث ( صدقة تصدق الله بها عليكم . . . ) الحديث كما في الصحاح والطبري والجصاص ، وغيرها . وسيأتي . وفى الأصول : ( تلك صدقة . . . ) وفى ج : ( تصدق الله بها على عباده ) .