القرطبي
339
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كيفما قالها ، ولذلك قال لأسامة : ( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ) أخرجه مسلم . أي تنظر ( 1 ) أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ وذلك لا يمكن ، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه . وفي هذا من الفقه باب عظيم ، وهو أن الاحكام تناط بالمظان والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر . السادسة - فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضا حتى يعلم ما وراء هذا ، لأنه موضع إشكال . وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمنا أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة ، وأرى أن يرد إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الاسلام ، لان الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله ، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بها عليه في قوله : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) . السابعة - فإن صلى أو فعل فعلا من خصائص الاسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ، فقال ابن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلما ، أما أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة ؟ فإن قال : صلاة مسلم ، قيل له : قل لا إله إلا الله ( 2 ) ، فإن قالها تبين صدقه ، وإن أبى علمنا أن ذلك تلاعب ، وكانت عند من يرى إسلامه ردة ، والصحيح أنه كفر أصلي ليس بردة . وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم ، يكلف ( 3 ) الكلمة ، فإن قالها تحقق رشاده ، وإن أبى تبين عناده وقتل . وهذا معنى قوله ( فتبينوا ) أي الامر المشكل ، أو ( تثبتوا ) ولا تعجلوا المعنيان سواء . فإن قتله أحد فقد أتى منهيا عنه . فإن قيل : فتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم على محلم ، ونبذه من قبره كيف مخرجه ؟ قلنا : لأنه علم من نيته أنه لم يبال بإسلامه فقتله متعمدا لأجل الحنة التي كانت بينهما في الجاهلية . الثامنة - قوله تعالى : ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) أي تبتغون أخذ ماله : ويسمى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت . قال أبو عبيدة : يقال جميع متاع [ الحياة ( 4 ) ] الدنيا عرض بفتح الراء ، ومنه ( 5 ) : ( الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ) .
--> ( 1 ) في ج وط وى : انتظر . ( 2 ) في ابن العربي : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ( 3 ) في ا وح : تكلف . تكلف الشئ : تجشمه على مشقة وعلى خلاف عادته . ( 4 ) من ج . ( 5 ) أي الحديث .