القرطبي
333
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عن زيد بن ثابت نحوه ، وإن آية النساء نزلت بعد أية الفرقان بستة أشهر ، وفي رواية بثمانية أشهر ، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت . وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا : هذا مخصص عموم قوله تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل ، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا : التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر - وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة . روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال المن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ قال : لا ، إلا النار ، قال : فلما ذهب قال له جلساؤه : أهكذا كنت تفتينا ؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة ، قال : إني لا حسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا . قال : فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك . وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح ، وإن هذه الآية مخصوصة ، ودليل التخصيص آيات وأخبار . وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة ( 1 ) ، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة ، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر ، فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية ، فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ، وجعل ينشد : قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع ( 2 ) حللت به وتري وأدركت ثورتي * وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أؤمنه في حل ولا حرم ) . وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة . وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ، ثم ليس الاخذ بظاهر الآية بأولى من الاخذ بظاهر قوله : ( إن الحسنات يذهبن
--> ( 1 ) كذا في ج والطبري والعسقلاني . وفى ا ، ط ، ز ، ى وابن عطية : صبابة . وفى القاموس وشرحه : حبابة . بالحاء . ( 2 ) فارع : حصن بالمدينة .