القرطبي

301

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يرد كما يرد عليه إذا شافهه . وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي يقرئك السلام ، فقال : ( عليك وعلى أبيك السلام ) . وقد روى النسائي وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : عليك السلام يا رسول الله ، فقال : ( لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت ولكن قل السلام عليك ) . وهذا الحديث لا يثبت ، إلا أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم : عليه لعنة الله وغضب الله . قال الله تعالى : ( وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ( 1 ) ) . وكان ذلك أيضا دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى ، كقولهم : عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما وقال آخر وهو الشماخ : عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق نهاه عن ذلك ، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى ، لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلم على الموتى كما سلم على الاحياء فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) . فقالت عائشة : قلت يا رسول الله ، كيف أقول إذا دخلت المقابر ؟ قال : ( قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ) الحديث ، وسيأتي في سورة ( ألهاكم ( 2 ) ) إن شاء الله تعالى . قلت : وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها ، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة . والله أعلم . السادسة - من السنة تسليم الراكب على الماشي ، والقائم على القاعد ، والقليل على الكثير ، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يسلم الراكب ) فذكره فبدأ بالراكب لعلو مرتبته ، ولأن ذلك أبعد له من الزهو ،

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 228 ( 2 ) راجع ج 20 ص 168