القرطبي

285

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك ، وما أصابك من جدب وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع زرق فمن تفضل الله عليكم ، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم ، أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم . قاله الحسن والسدي وغيرهما ، كما قال تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ( 1 ) ) . وقد قيل : الخطاب للانسان والمراد به الجنس ، كما قال تعالى : ( والعصر إن الانسان لفي خسر ( 2 ) ) أي إن الناس لفي خسر ، ألا تراه استثنى منهم فقال ( إلا الذين آمنوا ) ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة . وعلى هذا التأويل يكون قوله ( ما أصابك ) استئنافا . وقيل : في الكلام حذف تقديره يقولون ، وعليه يكون الكلام متصلا ، والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله . وفيل : إن ألف الاستفهام مضمرة ، والمعنى أفمن نفسك ؟ ومثله قوله وتعالى : ( وتلك نعمة تمنها على ( 3 ) ) والمعنى أو تلك نعمة ؟ وكذا قوله تعالى : ( فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ( 4 ) ) أي أهذا ربي ؟ قال أبو خراش الهذلي : رموني وقالوا ( 5 ) يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أراد ( أهم ) فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي . قال الأخفش ( ما ) بمعنى الذي . وقيل : هو شرط . قال النحاس : والصواب قول الأخفش ، لأنه نزل في شئ بعينه من الجدب ، وليس هذا من المعاصي في شئ ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة . وروى عبد الوهاب ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 7 14 فما بعدها . ( 2 ) راجع ج 20 ص 178 ( 3 ) راجع ج 13 ص 93 ( 4 ) راجع ج 7 ص 27 ( 5 ) في اللسان مادة ( رفأ ) : * رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * ورفوت الرجل : سكنته ، يقول : سكنوني . وقال ابن هانئ : يريد رفئوني فألقى الهمزة ، قال : والهمزة لا تلقى الا في الشعر ، وقد ألقاها في هذا البيت ، ومعناه : أنى فزعت فطار قلبي فضموا بعضي إلى بعض .