القرطبي
281
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ( 77 ) روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ فقال : ( إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ) . فلما حول الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا ، فنزلت الآية . أخرجه النسائي في سننه ، وقاله الكلبي . وقال مجاهد : هم يهود . قال الحسن : هي في المؤمنين ، لقوله : ( يخشون الناس ) أي مشركي مكة ( كخشية الله ) فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة . قال السدي : هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه . وقيل : هو وصف للمنافقين ، والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله . ( أو أشد خشية ) أي عندهم وفي اعتقادهم . قلت : وهذا أشبه بسياق الآية ، لقوله : ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) أي هلا ، ولا يليها إلا الفعل . ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة ، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين ، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة ، على ما هو معروف من سيرتهم رضي الله عنهم . اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الايمان قدمه ، ولا انشرح بالاسلام جنانه ، فإن أهل الايمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص ، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة . والله أعلم . قوله تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل ) ابتداء وخبر . وكذا ( والآخرة خير لمن اتقى ) أي المعاصي ، وقد مضى القول في هذا في ( البقرة ( 1 ) ) ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 161