القرطبي

279

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ) حض على الجهاد . وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ، ويفتنونهم عن الدين ، فأوجب تعالى الجهاد لاعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده ، وإن كان في ذلك تلف النفوس . وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال ، وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها . قال مالك : واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم . وهذا لا خلاف فيه ، لقوله عليه السلام ( فكوا العاني ) وقد مضى في ( البقرة ( 1 ) ) . وكذلك قالوا : عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة . فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا ، قولان للعلماء ، أصحهما الرجوع . الثانية - قوله تعالى : ( والمستضعفين ) عطف على اسم الله عز وجل ، أي وفي سبيل المستضعفين ، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله . وهذا اختيار الزجاج وقاله الزهري . وقال محمد بن يزيد : أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل ، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم ، فالسبيلان مختلفان . ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه السلام : ( اللهم أنج الوليد ابن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعه والمستضعفين من المؤمنين ) . وقال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين . في البخاري عنه ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) فقال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله ، أنا من الولدان وأمي من النساء . الثالثة - قوله تعالى : ( من هذه القرية الظالم أهلها ) القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين . ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير . وهذا كما تقول : مررت بالرجل الواسعة داره ، والكريم أبوه ، والحسنة جاريته . وأنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 21 .