القرطبي

270

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

سبب نزولها ما روى أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي ، فقال اليهودي : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا ، وبلغت القتلى سبعين ألفا ، فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا . وقال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم ) الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ) . قال ابن وهب قال مالك : القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر . وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي . وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس ، قالوا : لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الايمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي ) . و ( لو ) حرف يدل على امتناع الشئ لامتناع غيره ، فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا . فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الامر مع ثقله ! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية . ( ما فعلوه ) أي القتل والخروج ( الا قليل منهم ) ( قليل ) بدل من الواو ، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل . وأهل الكوفة يقولون : هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم . وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر ( إلا قليلا ) على الاستثناء . وكذلك هو في مصاحف أهل الشام . الباقون بالرفع ، والرفع أجود عند جميع النحويين . وقيل : انتصب على إضمار فعل ، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم . وإنما صار الرفع أجود لان اللفظ أولى من المعنى ، وهو أيضا يشتمل على المعنى . وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا . وزاد الحسن ومقاتل وعمارا وابن مسعود وقد ذكرناهما . ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ) أفي الدنيا والآخرة . ( وأشد تثبيتا ) أي على الحق . ( وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ) أي ثوابا في الآخرة . وقيل : اللام لام الجواب ، و ( إذا ) دالة على الجزاء ، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم .