القرطبي

246

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يستحيل . وسيأتي [ بيان ( 1 ) ] الجمع بين الآي في هذه السورة وفي ( الفرقان ( 2 ) ) إن شاء الله تعالى . وفى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) قال : هذا حديث حسن غريب . قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود . واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم ، فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) ، وقولهم : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب . وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة ، لأنهم لا ذنوب عليهم . وهذا يبعد من مقصد الآية . وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا . وقال عبد الله ابن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض . وهذا أحسن ما قيل ، فإنه الظاهر من معنى الآية ، والتزكية : التطهير والتبرية ( 3 ) من الذنوب . الثانية : هذه الآية وقوله تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ( 4 ) ) يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه ، والاعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الانسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له . وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : ( سموها زينب ) . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الانسان نفسه ، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ، كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك ، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها ( 5 ) فصارت لا تفيد شيئا .

--> ( 1 ) من ج وط ( 2 ) راجع ج 13 ص 77 ( 3 ) في ز : التنزيه . ( 4 ) راجع ج 17 ص 105 ( 5 ) في ج : أهلها .