القرطبي
229
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثامنة والعشرون - واختلف العلماء هل طلب الماء شرط في صحة التيمم أم لا ؟ فظاهر مذهب مالك أن ذلك شرط ، وهو قول الشافعي . وذهب القاضي أبو محمد بن نصر إلى أن ذلك ليس بشرط في صحة التيمم ، وهو قول أبي حنيفة . وروي عن ابن عمر أنه كان يكون في السفر على غلوتين ( 1 ) من طريقه فلا يعدل إليه . قال إسحاق : لا يلزمه الطلب إلا في موضعه ، وذكر حديث ابن عمر ، والأول أصح وهو المشهور من مذهب مالك في الموطأ لقوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء ) وهذا يقتضي أن التيمم لا يستعمل إلا بعد طلب الماء . وأيضا من جهة القياس أن هذا بدل مأمور به عند العجز عن مبدله ، فلا يجزئ فعله إلا مع تيقن عدم مبدله ، كالصوم مع العتق في الكفارة . التاسعة والعشرون - وإذا ثبت هذا وعدم الماء ، فلا يخلو أن يغلب على ظن المكلف اليأس من وجوده في الوقت ، أو يغلب على ظنه وجوده ويقوى رجاؤه له ، أو يتساوى عنده الأمران ، فهذه ثلاثة أحوال : فالأول - يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت : لأنه إذا فاتته فضيلة الماء فإنه يستحب له أن يحرز فضيلة أول الوقت . الثاني - يتيمم وسط الوقت ، حكاه أصحاب مالك عنه ، فيؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم تفته فضيلة أول الوقت ، فإن فضيلة أول الوقت قد تدرك بوسطه لقربه منه . الثالث - يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء في آخر الوقت ، لان فضيلة الماء أعظم من فضيلة أول الوقت ، لان فضيلة أول الوقت مختلف فيها ، وفضيلة الماء متفق عليها ، وفضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة ، والوقت في ذلك هو آخر الوقت المختار ، قاله ابن حبيب . ولو علم وجود الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى فقد قال ابن القاسم : يجزئه ، فإن وجد الماء أعاد في الوقت خاصة . وقال عبد الملك بن الماجشون : إن وجد الماء بعد ( 2 ) أعاد أبدا .
--> ( 1 ) الغلوة ( بفتح فسكون بعدها واو مفتوحة ) : قدر رمية بسهم ، ويقال : هي قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة . ( 2 ) في ج وز وط : ان وجد الماء فلم يعد أعاد أبدا .