القرطبي

210

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أفضت عليه الماء وغمسته في الماء . إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الجنب يصب على جسده الماء أو ينغمس فيه ولا يتدلك ، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا بجزئه حتى يتدلك ، لان الله سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال ، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه ، [ ولم يكن للمتوضئ بد من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه ، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ ويديه ( 1 ) . ] وهذا قول المزني واختياره . قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي : وهذا هو المعقول من لفظ الغسل ، لان الاغتسال في اللغة هو الافتعال ، ومن لم يمر يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلا ، بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه . قال : وعلى نحو هذا جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشرة ) قال : وإنقاؤه والله أعلم - لا يكون إلا بتتبعه ، على حد ما ذكرنا . قلت : لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين : أحدهما - أنه قد خولف في تأويله ، قال سفيان بن عيينة : المراد بقوله عليه السلام ( وأنقوا البشرة ) أراد غسل الفرج وتنظيفه ، وأنه كنى بالبشرة عن الفرج . قال ابن وهب : ما رأيت [ أحدا ( 2 ) ] أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة . الثاني : إن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه : وهذا الحديث ضعيف ، كذا في رواية ابن داسة ( 3 ) . وفي رواية اللؤلئي عنه : الحارث بن وجيه ضعيف ، حديثه منكر ، فسقط الاستدلال بالحديث ، وبقي المعول على اللسان كما بينا . ويعضده ما ثبت في صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال عليه ، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله ، روته عائشة ، ونحوه عن أم قيس بنت محصن ، أخرجهما مسلم . وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء : يجزئ الجنب صب الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك ، على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم . رواهما الأئمة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض الماء على جسده ، وبه قال محمد بن عبد الحكم ،

--> ( 1 ) الزيادة من ط وج‍ وى . ( 2 ) من ى . ( 3 ) ابن داسة : هو أبو بكر محمد بن بكر البصري الداسي راوي سنن أبي داود .